محمد بن محمد ابو شهبة

547

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة ، وأردية مكفوفة بالحرير ، وفي أيديهم خواتيم الذهب ، فقاموا يصلّون في المسجد نحو المشرق ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دعوهم » ثم أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأعرض عنهم ولم يكلمهم ، فقال لهم عثمان : من أجل زيّكم هذا ، فانصرفوا يومهم هذا ، ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلّموا عليه ، فردّ عليهم ودعاهم إلى الإسلام ، فأبوا وقالوا : كنا مسلمين قبلكم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يمنعكم من الإسلام ثلاث : عبادتكم الصليب ، وأكلكم لحم الخنزير ، وزعمكم أن للّه ولدا » . وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم ، والنبي يتلو عليهم القران ويقرع باطلهم بالحجة ، وكان مما قالوه لرسول اللّه : ما لك تشتم صاحبنا وتقول إنه عبد اللّه ، فقال : « أجل ، إنه عبد اللّه ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول » فغضبوا ، وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب فإن كنت صادقا فأرنا مثله ؟ فأنزل اللّه في الرد عليهم قوله سبحانه : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ « 1 » فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه . فلما لم تجد معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة « 2 » امتثالا لقول اللّه عزّ شأنه : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ « 3 » . وخرج النبي ومعه علي ، والحسن ، والحسين ، وفاطمة وقال : « وإذا أنا دعوت فأمّنوا » فائتمروا فيما بينهم ، فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبي حقا ، وأنه

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآيتان 59 - 60 . ( 2 ) الدعاء باللعنة ، ثم شاعت في مطلق الدعاء ؛ والمباهلة مشروعة حيث يتعذر عن طريق الجدال والمناظرة الوصول إلى الحق ، ويأبى الخصم - كما هنا - الخضوع للحجة والبرهان . فلم يبق إلا اللجوء إلى استنزال غضب اللّه ولعنته وهلاكه على القوم الكاذبين . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 61 .